باين من عنوانه

غربة الغربة

بقلم: فوزية حرب

شهدت سنواتنا السبعة عشرة الماضية ثورة تكنولوجية مهولة، أنستنا معها أي سنوات عشناها قبل الألفية الثانية. فسواء كنت ثلاثينيًا أو أربعينيًا أو ستينيًا… أتحداك أن تتذكر حياتك قبل الإنترنت وقبل الآلات والاختراعات التي جرّتنا وراءها، ومهما كانت الذكريات التي تستعيدها الآن، ستبدو لك وكأنها من حياة أخرى اختبرتها قبل حياتك الحالية، ومع سهولة حياتنا اليومية، وسهولة التعبير عن المشاعر والأفكار والقدرة على مشاركة كل ما يخطر ببالنا مع أصدقائنا وعائلاتنا في كل أرجاء العالم، فقدت بعض التجارب معناها.
وعندما قررت الانتقال إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث يستقر زوجي، رأيت الموضوع بسيطًا، فبوجود كل وسائل التواصل، من سيشعر بالغُربة؟ شاركني الكثيرون هذا الرأي ووصلت أميركا لأكتشف أن وسائل التواصل لا تقوى على الغربة.
حرصت منذ وصولي الأراضي الأميركية على محادثة إخوتي الأربعة وأمي بكثافة، والحقيقة أنني لم أبذل هذا الجهد في التواصل معهم سابقًا، لكنني أردت أن أتغلب على المسافات الجغرافية والحنين وفارق التوقيت من خلال نعمة وسائل التواصل، لكن مع كل جهودي، ومشاركة كل تفاصيلي اليومية معهم، وجدت نفسي أنهي المكالمات دون أن أتغلّب على الغصة التي كانت داخلي، فوسائل التواصل لن تعوّضك لذة ومعاناة المواصلات في طرق الدول العربية.
ولن تصلك رائحة القهوة التي تعدها أختك لتشربها معك خلال اتصال الفيديو، وصورة الفطائر التي تبذل أمك جهدها لتصوّرها وترسلها عبر واتساب ليس لها طعم.
وتنتهي اتصالاتك المرئية والمسموعة… وتهدأ الأحاديث عبر الرسائل النصية… وينام الجميع على الجهة الأخرى من الكرة الأرضية… فتتذوّق مرارة الغربة الحقيقية.
وإن كنت تظن أن الشعور بالغربة يقلّ مع الوقت، فأنت إذا لم تختبر الغربة بعد، فبعد بضعة أشهر، يبدأ الحنين لرؤية الجارة التي كنت تصادفها أثناء مرورك في الحي، وتشتاق لرؤية وجوه مألوفة في السوبرماركت، وصمت جرس المنزل يُثقل تنهيدتك، وتكتشف أنك كنت تستمتع بأحاديث الجيران والأقارب وكثرة الزيارات وقلّة الخصوصية.
حزمت حقائبي وجئت إلى الولايات المتحدة مُسلّحة بشهادتي الجامعية ولغتي الإنكليزية وخبرتي العملية وهاتفي الذكي، لكني لم أكن أعلم أن لا شيء يتغلب على الغربة.
فهل من درع يحمي القلب من الشعور؟ أو هل هناك دواء يسمح للذكريات بالتردد على ليالينا الوحيدة من دون أن تعصف في قلوبنا حنينا؟ وكم حقيبة كنت سأحتاج لأوضّب بيتي وجيراني وأصدقائي ومخبزي المفضل و…؟ وهل يُغني اتصال فيديو عن لمسة أمي أو قبلتها؟

شاركنا الرأي

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.