باين من عنوانه

عصفور.. مقتطف أدبي من كتاب “حبّة مطر” للأستاذ عباس عواضة

كتب – عباس عواضة (كتاب “حبّة مطر”)
لم يكن يومًا عابرًا فوق العادة الذي خضت فيه، فقد كان ما كان من ذاك النسق اليومي المهلك.
أنهيت لتوي ترقيع الذاكرة وتأديب التنميات وتطويع الممكن، وركبت الليل أمشيه ولا يمشي في نفسي التي تبتلعه بشوق، حتى وجدتني في إحدى مقاهي البائسين الذين اقتنعوا بأن ارتشاف كوب ساخن من القهوة لا زال ترفًا ممكنًا.
جلست هناك أرقب من هم حولي فلا يقف نظري إلا عند العصفور.
كان يجلس مكدسًا وحدته مقابل الجمهرة من حوله، بلحية بيضاء خشنة كملامحه، يرتشف عسل الأمنية بشفاه يابسة، ورئة تبتلع ضنك العيش.
في جلسته اختلاس للوجود، يحضن سيجارته كحبيبة في لحظة وداع، يحرقها مرة وتحرقه مرات.
أجده مستسلمًا حتى في زفيره الصامت، فتضيع ملامحه خلف حلقات من الدخان… وكأنه يريد أن يبقى خلف الظلال.
خمسينيًا كان، تبدو عليه عجاف السنين وتحكمه حال من الانعتاق القسري أو اللامبالاة الخافتة.
لقد دفعني صمته الطويل لأقذف نحوه حبال الحديث، فإنما الناس يجتمعون للحديث وإن لم يجتمعوا على رأي. فللحديث صفة مشتركة وعامة تخرجك من قوقعة النفس لتدخلك في أنفس وأنفس حتى يتعبك العبور وتعود منزلك منهكًا حد الاستسلام للنوم.
ولكن العصفور لا ينام.
عصفورنا عود من عيدان الحرب الأهلية، قلمته الدنيا وقادته لأتونها فاحترق وتفحم.
لقد أضاع عمره باحثًا عن انتماء لا للذوبان فيه بل ليذيبه في كينونته الغريبة.
قاتل هنا وقتل هناك وقلب السلاح ذات اليمين وذات الشمال حتى ضاع لونه وضاع عمره على ناصية الحضور لينتهي ظليل الجالسين هنا على قارعة الوجود الذي لمّا دخلوه بعد.
عصفورنا ليس طائرًا جريحًا، بل هو طير فقد الحس بالطيران وتمرد على فطرته لينتهي معتقلا لا يغرد ولا يطير.
إنه يعيش يومه كاملًا دون أن ينبض الوجود فيه ولو مرة، فلا تجد اشتعالًا في عينيه إلا إذا حدثك عن ذاك المتراس الذي أفنى عمره فيه. بطولات أو هزائم، انتصارات أو مدافن، وجود أم وجوه، لا يهم. إن المهم عنده كيف ظفر بالحياة وهو في رحم موت بارد.
أدهشني تقبله لتلك الخيبة المنتصرة فيه والتي أجدها سببًا في انعتاقه واستقالته المبكرة من الحياة الى الحياد الطوعي.
عصفور يعتبر نفسه منتصرًا على الموت، لقد خرج من الحرب الأهلية التي فتتت الأهلين وشردتهم، على قيد الحياد دون أن يلتفت أنه اليوم على قيد الموت الذي يتنفس فيه.
لقد عاش العصفور في الحرب ومات في السلم لأن وجوده كان ملحقًا على الدوام في كتيبة هنا أو عصابة هناك، وأما أصله ومبناه فقد هدم يوم طرده والده من المنزل فتيًا وغادر قريته البعيدة عن مركز الموت أو حقيقة الحياة، وارتمى بين أحضان رصاصة طائشة عبرت البلاد من شرقها لغربها فمزقت نسيج الوطن ومددته على طاولة جراح في إحدى غرف العناية الدولية لينتهي الى عيش سريري ساكن بينما تتشكل الأمم وتعمر المجتمعات.
عصفور من هذا الوطن
عصفور مشروع وطن كما أريد له أن يكون، فكان ما كان أن ابتلع ذاك العصفور القضية وراح يجتر الهم بجوعه وغربته حتى هلك.
سيموت هذا العصفور يومًا على هذا الكرسي وستموت معه حكاية من عبروا بلا أثر.

- الإعلانات -

تعليق 1
  1. دكتور محمد الجواد أحمد مخ يقول

    كلام يحاكي قلب كل مواطن شريف يأخذك إلى شرح للواقع المعاش
    أحسست بصبغة أدبية ونقدية تحاكي وجع كل مواطن
    وفقك الله لكل خير
    دمتم برقي المطر استاذ

شاركنا الرأي

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.