باين من عنوانه

البدلة النبيتى…

كتب الفيلسوف
و فى يوم… دخل علينا الراجل أبو بدلة نبيتى! كانت بدلة لونها لميع و صارخ و هو كمان كان مُلفت للنظر… ماشى بمنتهى الثقة بالنفس أو ممكن تقول عليه مغرور… أول ما عدى من جانبى شميت ريحة عِطر تقيلة… من العطور اللى الناس بتحطها فى الأفراح.. لكن إحنا كنا فى الشغل الساعة 10 صباحًا!

كان فيه إشاعات قوية بتقول إن الراجل ده جاى عشان يمسك إدارة الشركة… العين عليه و هو ما بيرحمش! الناس في الشركة بيحوا يتكلموا ويشاركوا بعض الإشاعات.. أحاديث الهمس فى الطُرقات… ماحدش كان عارف إن كانت إشاعات أم حقيقة!

كان قاعد قدامى موظف من الحرس القديم فى الشركة… هو الشخص اللى دايمًا عليه كلام… كل ما تنتشر إشاعات تقليص العدد وتوفير المصروفات، الناس كلها بتشاور عليه… راجل روتينى فى شغله… سنه كبير و ماعندوش طموح… مش عايز يتعلم حاجة جديدة… و كل ما يجى مدير قسم جديد هو أول واحد بيعلن الحرب عليه… عنده مقاومة عنيفة ضد التغيير… بس شهادة حق… هو من جواه طيب عامل زى الأطفال… لكن الطبع غلاب! الراجل أبو بدلة نبيتى دخل عند المدير و قفلوا الباب… كل الموظفين قاموا من مكاتبهم كل واحد أخد التانى على جنب و هاتك يا حكايات… كله قلقان على كرسيه و أكل عيشه… أنا كنت بافكر بصوت واطى… البدلة النبيتى دى رمز للدماء… يعنى الراجل ده جاى يخلص علينا واحد واحد… بس عارفين فى المواقف دى إيه اللى بيحصل؟ ناس بتقلق على الكراسى بيتدوروا على بعض… كل واحد يحاول يستخبى و يدوس على التانى… ضحوا بفلان لأنه مش شايف شغله كويس… إرفدوا فلان عشان مرتبه كبير! حرب البقاء! باب المدير إتفتح تانى بعد شوية… كله جرى على مكتبه و عمل نفسه بيشتغل… يا ترى إيه الأخبار… هل الراجل أبو بدلة نبيتى هو اللى هايمسك الشركة؟ هايبتدوا بمين؟ كنت عمال أبص على التليفون الداخلى و مستنى رنة… ألو عايزينك فى مكتب الموارد البشرية! يللا خد حاجتك و إمشى! هى دى الجملة اللى كنت منتظرها! لكن الحمد لله التليفون ما رنش لغاية دلوقتى! يمكن يكون مكتوبلى أقعد هنا كام شهر! عديها على خير يا رب! مدام سوزى السكرتيرة… كانت قاعدة و مبتسمة.. طبعا ما هى ضامنة الكرسى… ماحدش يقدر يقرب منها… البيه المدير واقع فى غرامها لشوشته! و يا بخت اللى المدير بيحبه! بس مش يمكن المدير نفسه يتغير؟ و لا إيه؟…

أبو بدلة نبيتى بدأ يقعد مع كل الموظفين… كل واحد يروح يقعد معاه فى قاعة الإجتماعات الصغيرة! يا ترى بيقولوا إيه؟ حسيت كده برعشة فى جسمى كله… لأ.. إمسك نفسك و خليك شجاع هى موتة و لا أكتر! فيه ناس كتير غيرك… مش يمكن تعجبه و يقوم بترقيتك؟ ما تحلمش كتير… إنت عارف إن الراجل ده مجيته هنا فيها شر الشرور! إستر يا رب! جالى واحد من الزملاء و قالى “أنا سمعت إنهم هايمشوا نص الموظفين! تخيل بقى… أنا و إنت و كل اللى إنت شايفهم دول.. بكره أو بعده هايكونوا فى الشارع! هاتعمل إيه؟ عندك شغل تانى؟”… بصيتله كده و حاولت أبتسم… قال يعنى الواد اللى واثق من نفسه أوى… و أنا من جوايا فيه أصوات مُرعبة… و شايف نفسى من غير شغل! رديت عليه و قلتله إن كل الكلام ده إشاعات… باطمن نفسى شوية… بصيلى و ضحك و كأنه عايز يقولى فوق من الغيبوبة اللى إنت عايش فيها! المهم عشان ما أطَولش عليكم… الراجل أبو بدلة نبيتى ندهنى فى قاعة الإجتماعات… من غير ما يعَرفنى بنفسه…!! سألنى على شغلى باعمل إيه و بقالى أد إيه… كان واضح إنه هايمسك مكان المدير العام! سألنى كمان عن كام واحد من الناس اللى بيشتغلوا معايا… و الفخ بقى كان فى الأسئلة المرتبطة بالناس التانية… عايزنى أقولك عنهم كلام مش تمام عشان يكون ليك حجة تمشيهم! بس أنا لو قلت عليهم كلام كويس مش يمكن يقعدوا و أنا اللى أمشى!!! إحمى نفسك و خليك ذكى!! لأ… إسكت إنت دايما أنانى و بتخلينى أعمل حاجة عكس ضميرى… إنت خايب طول عمرك و مش فاهم الدنيا صح! أصوات كتير كانت بتتخانق فى دماغى… كل واحد فيهم عايز حاجة عكس التانى! المهم… فى الأخر قلت اللى يرضى ضميرى و أجرى على الله! ما قلتش على حد حاجة وحشة… كان التقييم محايد و إحترافى بقدر الإمكان… ساعتها حسيت الخوف بيهرب منى… لقيت نفسى عدِلت القعدة و الثقة رجعتلى! يمكن عشان ما خالفتش ضميرى… مش عارف! الراجل كان بيسمع كلامى و باصصلى فى عينى بشكل بايخ… نظرة الإقتحام اللى تخليك مش عارف تبص فى عينه فترة طويلة… سمع منى كل الكلام… و بعدين لقيته بيقولى “أنا باحترم شجاعتك… بس كلامك معناه إن زملائك مفروض يقعدوا فى مكانهم.. يعنى صعب نستغنى عنهم… بس أنا شايف إن وظيفتك مش بالأهمية اللى الشركة محتاجاها! يعنى للأسف ممكن نستغنى عنك… ما تزعلش من الصراحة… بس موقف الشركة صعب و ما يستحملش وظائف هامشيه!” عملت إيه فى نفسك؟ أديك قلت الصراحة و هاتاخدك لغاية باب الشركة و يقولولك مع السلامة!… يا خيبتك!

طلعت من غرفة الإجتماعات و أنا فى عالم تانى… ناس كتير بتكلمنى و أنا مش سامع… عرقان من شدة الأعصاب و قرفان من الدنيا باللى فيها… دخلت فى حالة من الغم و الهم… بابص للى حواليه و عارف إنى خلاص أيامى معدودة… نظرة الوداع و اليأس! بعد ما الأستاذ أبو بدلة نبيتى خلص الإجتماعات الثنائية مع كل الموظفين… دخل تانى على مكتب المدير العام و قفلوا الباب… أنا قاعد على مكتبى و مش قادر أركز فى الشغل… طبعا مدام سوزى عمالة تضحك و تهزر مع اللى رايح و اللى جاى… مطمئنة و حاطه فى بطنها بطيخة صيفى! ما تقلقش ربنا معاك… إنت ما خالفتش ضميرك و ربنا مش هايسيبك… بس إنت برضه حمار ما تؤاخذنيش فى الكلمة… كان ممكن تكون أذكى من كده… على الأقل تظهر أهمية شغلك عشان ما يستغنوش عنك… نفس الأصوات رجعت تتخانق مع بعض فى دماغى!!! يللا.. اللى حصل حصل! باب المكتب بتاع المدير إتفتح تانى… حكم الإعدام قرب و لا إيه؟… أبو بدلة نبيتى مر من جانبى و بصيلى و إبتسم! قلت خير… يبقى كده فيه أمل… لكن التليفون رن! اللى يخاف من العفريت يطلعله! طلعت من مكتب الموارد البشرية ماكنتش حاسس بجسمى… خلاص ده أخر يوم ليا فى الشركة… أخدوا القرار فعلا! مش أنا بس… كان فيه خمس موظفين تانيين هايمشوا! هى دى أخرة الصراحة و الضمير؟ دى جزاتى عشان ما قلتش كلمة وحشة على أى حد… يعنى كان لازم أشتم فى اللى حواليا و أقول عيوبهم عشان أحافظ على مكانى؟! أخدت درس قاسى… بعد كده نرمى المبادىء فى الشارع… عشان تعرف تعيش لازم تتعلم تدوس على غيرك و ما تقوليش دين و أخلاق و الكلام الفاضى ده… لما إفتكرت الإبتسامة بتاعة البدلة النبيتى… غضب الدنيا كله ركبنى… كان مطلوب منى أروح الشركة بعد كام يوم عشان أسوى مستحقاتى… كنت عارف إنى داخل على فترة صعبة كلها مطبات… مين هايدفع الأقساط و الفواتير؟ إبقى خللى ضميرك يدفعهم! طبعا رجعت البيت و نكدت على زوجتى… هى عمالة تسأل و قلقانة… أسئلة مالهاش لازمة… هانعمل إيه و نصرف منين… ندمت إنى حكيتلها… كنت باحاول أهرب من البيت عشان ما أسمعش الكلام اللى مش عارف أجاوب عليه… بس هى كانت معذورة برضه.. قلقانة و خايفة من بكرا! روحت الشركة فى اليوم المتفق عليه… كانت حالتى مش تمام… دقنى طويلة و لابس مبهدل… حالة إكتئاب شديدة… دخلت و مضيت على كل الأوراق… إدونى مستحقاتى كاملة… أهى حاجة تعَيشنا الكام شهر اللى جايين لغاية لما ربنا يبعت شغل تانى! قعدت فى البيت شهر! باقدم على شغل لكن مافيش حاجة نافعة…

و فى يوم تليفونى رن! واحد إسمه محسن… بيقول إنه كان معايا فى المدرسة زمان… أنا طبعا ماكنتش فاكره و لا عندى إستعداد للنوستالجيا بتاعة أيام الدراسة… حاولت أقصر معاه فى الكلام و هو عمال يحكى و يفكرنى بالأيام اللى أنا ناسيها! طلب منى نتقابل و أنا رفضت بحجة المشاغل… كان صعبان عليا أقوله إنى سايب الشغل و الحالة ضنك عشان مش عايز أبان إنى فاشل! المهم… كان إصراره غريب! روحت أقابله فى كافيه جنب البيت… كان مختار مكان غالى و أنا مش ناقص مصاريف… بس قلت برضه البرستيج بتاعى يمنعنى أقوله حقيقة الوضع! قعدت حوالى ربع ساعة مستنيه! و أنا قاعد لقيت أبو بدلة نبيتى داخل المكان! نفسى إتسدت و دورت وشى و قلت يا رب ما يشوفنيش… بس ليه أستخبى؟ ده هو اللى قطع عيشى! ده أنا ليا تار عنده! حُط عينك فى عينه و ما تخافش! إنت مش عامل عاملة! لقيته جاى يسلم عليا! تقتل القتيل و تمشى فى جنازته! سألنى عن أحوالى… و قالى إنه فاكرنى رغم إننا ما قعدناش مع بعض إلا ربع ساعة! كنت باحاول أتماسك و ما أقولش حاجة بايخة… هو نفس الضمير اللى مودينى فى داهية! يا رب صديقى يجى و يخلصنى منه! منتهى البجاحة… قعد من غير ما يستأذن! قالى إنه برضه مستنى ناس! لكن فى نص الكلام إبتديت أشبه على الصوت! أنا أصلى مش من الناس اللى عندها ذاكرة الأصوات! فضلت أبصله كتير و هو أخد باله! ضحك و قطع كلامه! قالى أنا محسن… إنت شكل الأيام خليتك عجوز ما بتفتكرش الوشوش و لا الأصوات! على حسب كلامه… إنه عرفنى من ساعة لما شافنى فى الشركة… بس أنا مش فاكره خالص! عرفنى و رفدنى! شوف الصداقة بتعمل إيه؟! كنت عايز أقوم و أمشى… الموقف كان بايخ… أكيد كان له تار عندى من الطفولة… كان واضح إنه بينتقم! جيت على نفسى و قعدت أسمع كلامه.. ما كنتش باتكلم! كان بيحكى عن الطفولة… ما إعتذرش عن إنه كان السبب فى قطع عيشى… بعد ما قعد يفكرنى ببعض الأسماء اللى كانت معنا فى الدراسة… و أنا طبعا مش متجاوب معاه… قالى هاحكيلك على حاجة! حكالى عن موقف أنا مش فاكره كالعادة… و طلع فعلا شايل منى! كان موقف عبيط… أطفال لسه فى سن تسع أو عشر سنين.. طبيعى إن طفل ممكن يعمل حاجة و هو ما يقصدهاش! بس هو قلبه إسود و شايل الموقف فى قلبه… و لم يتردد إنه ينتقم منى فى أول فرصة… مش بعيد يكون شاف إسمى فى كشف الموظفين من قبل ما يجى الشركة… كان جاى و عارف هايعمل إيه! كان هاين عليا أقوم و أكرر اللى حصل معاه من تلاتين سنة.. بس المرة دى و أنا بكامل وعى! مسكت نفسى بالعافية… الموقف كان بايخ… روحت البيت و إتخانقت مع زوجتى… نزلت قعدت على القهوة! كل حاجة فى حياتى كانت بتتهد فوق نافوخى! بس على الأقل عرفت إن سبب رفدى من الشغل ماكنش عشان ضميرى! أخدتلى كام يوم عشان أعرف أنسى القعدة بتاعة تصفية الحسابات.. كانت مؤلمة جدا!

ربنا بعتلى شغلانة… و بدأت الأحوال تتظبط تانى! كان الراتب تقريبا ضعف اللى كنت باخده فى الشركة القديمة… و أخدت منصب أعلى… ضميرى جاب نتيجة بس بعد ما عدت عليا أيام صعبة! و فى يوم كان عندى إجتماع مع أحد العملاء المهمين للشركة… كان فيه مديرين كتير… و فى وسط الإجتماع شوفت البدلة النبيتى!!! دخل و قعد و ما إتكلمش! ركبنى مليون عفريت… إيه اللى جابه هنا! بعد ما خلصنا الإجتماع… إختفى! قلت أنا بيجيلى هلاوس بصرية! البدلة النبيتى بقيت عملالى عقدة نفسية!!! سألت السكرتيرة بتاعة المدير العام… قالتلى إنه “أحد الشركاء”!!! إحساس الرعب اللى جالى… كنت متأكد إنه شافنى فى الإجتماع… و أكيد كان ناويلى على نية سودا! فيه ناس.. الإنتقام عندهم لا نهاية له! ما حكيتش حاجة لزوجتى… فضلت كام يوم متوتر و مش عارف أشتغل… و فى يوم جالى تليفون من الموارد البشرية… نفس السيناريو بيتكرر تانى…. قالولى إن المدير العام طلب إعادة النظر فى تعيينى فى الشركة! دخلت و قعدت مع المدير العام… كان بيتكلم بشكل كله حِدة… كلامه كله معناه إنى هامشى من الشركة! و لقيت البدلة النبيتى داخله علينا… كان بيضحك مش عارف على إيه!!! الغضب تملك منى… قلت خلاص لازم أضربه… إيه الشر و الغل اللى جواه ده… هو بينتقم من الطفل اللى كان جوايا.. طفل ما كانش فاهم بيعمل إيه! أخدت القرار و كنت مستنى اللحظة المناسبة… كان بيتكلم و بيضحك مع المدير العام… و أنا ما كنتش سامع حاجة غير صوت غضبى! ساد الصمت فى غرفة المدير… سمعته بيقولى ” هانزودلك المرتب كمان 6 شهور عشان خاطر محسن بيك! نعم؟؟؟ هو أنا مش هاترفد؟؟ المدير العام طلع من المكتب و فضلت أنا و محسن النبيتى! قالى ” الموقف اللى أنا حكيتهولك و إنت ما كنتش فاكره… كان موقف من تأليفى… لما لقيتك مش فاكرنى قلت أهزر معاك… أنا كنت رايح الشركة اللى إنت كنت فيها و كنت عارف إنك هناك! كان إسمك على قائمة الراحلين… أنا ساهمت فى فصلك من العمل عشان أجيبك هنا… تاخد وضعك و راتب أعلى بكتير… إنت يمكن مش فاكرنى… بس أنا فاكرك… أنا كنت معاك فى المدرسة فعلا… بس إنت ما تعرفنيش… فى يوم كان مطلوب منك تشهد مع أصحابك شهادة زور كانت هاتتسبب فى رفدى من الدراسة… كلهم كدبوا ما عدا إنت! شهادتك هى اللى أنقذتنى… من ساعتها كنت باشوفك من بعيد و كان نفسى أشكرك… لكنى كنت مُحرج أتكلم معاك و الأيام عدِت! بس عمرى ما نسيتك و لا نسيت شكلك و إسمك! أول ما شوفت إسمك فى الكشف و شوفت مرتبك… و لما قعدت معاك و لقيتك زى ما إنت… ضميرك زى ما هو… الأيام ما قدرتش عليه… عرفت إنك تستاهل أكتر من كده بكتير… عارف إنى خليتك تمر بأيام صعبة… بس أنا عارف إنك كان ممكن تخاف من التغيير و ترفض العرض بتاعى… جبتهالك إجبارى… إنت تستاهل أكتر من كده بكتير… أنا محتاج فى الشغل هنا شخص عنده ضمير و مبادىء…

شاركنا الرأي

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.