باين من عنوانه

الموازنات العسكرية المتضخمة للردع أم الحرب!!؟؟

كتب – الأستاذ الجامعي المحاضر الدكتور محمد موسى (نائب رئيس تحرير موقع الجُرنال نيوز)
تعتبر الموازنة العسكرية لأيّ دولة مؤشر واضح عن السياسات العامة والاستراتيجية للدولة، كذلك فهي دلالة واضحة عن الرؤية المستقبلية للدولة على الصعيدين الدفاعي والأمني.
ومن هذا المنطلق ليس بالغريب أن تخصص دول كبرى عدة في العالم والمنطقة موازنات هائلة تتجاوز مليارات الدولارات للاستخدامات العسكرية، إنما المستغرب في أيامنا الراهنة ونحن أمام فيروس كورونا الذي ضرب الموازنات في الصميم موجهًا كل الأموال بين سياسات الدعم والحوافز للقطاعات الصناعية والتجارية، وبالأخص للقطاعات الصحية، من هنا كيف لنا ان نقبل ضخامة الموازنات وكورونا لم ينتهِ وما زالت رياحه تعصف بكل موازنات العالم التقليدية، لا سيما في الدول الكبرى التي اضطرت بشكل بارز في أن تستمر الانفاقات العسكرية بما أكدته الكثير من مراكز الأبحاث العالمية.
فبرغم انخفاض عائدات الضرائب بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد  COVID-19، سينفق الجيش الصيني هذا العام 1268 مليار يوان، (ما يعادل 178 مليار دولار، 163 مليار يورو)، وفق تقرير نشرته وزارة المال الصينية عند افتتاح الدورة البرلمانية السنوية.

لذلك نرى أنّ الصين ما زالت تنفق وبسخاء على الموازنات العسكرية وذلك يعود لأمرين:
الأول، أنّ “بكين تُظهر بذلك أولويتها، وهي أن يكون لديها ميزانية عسكرية مستقرة لمواصلة تحديث وتطوير القدرات العسكرية للجيش لتقول ان العالم شهد تغيرات ومن جملتها ان بكين لاعب أساسي ليس فقط في مجال التجارة انما حتى في الصناعات العسكرية.
ثانيها، أنّ التنين الصيني رفع النفقات الدفاعية إلى هذا الحدّ رغم انكماش الاقتصاد (-6.8% في الفصل الأول)، وهو مؤشر إلى أن الصين تنزلق نحو سباق تسلح في ظل الحرب الباردة الجديدة مع الولايات المتحدة التي تبدأ مع منظمة التجارة العالمية ولا تنتهي مع منظمة الصحة العالمية وحديث ترامب الدائم عن مسؤولية بكين عن انتشار فيروس كورونا.

وعلى هامش هذان السببان لا بأس في استعراض القوة مع الحليف والعدو في أن ويظهر ذلك منذ المناورات الأخيرة مع موسكو وطهران، كذلك رسالة واضحة بعد مشاكل تايوان الأخيرة التي قد تكون مفتاح شرر قادم بعد الانتهاء من إيجاد الترتيبات الجديدة في ظل محاولة الغرب تدويل القضية أكثر.
بكلام آخر إنّ رفع الموازنات العسكرية الصينية مدخلًا لضمان النمو الاقتصادي ويعكس ذلك أيضًا طموح الرئيس شي جينبينغ خلق جيش من الطراز العالمي على غرار الجيوش المقابلة لا سيما الجيش الأميركي مع اختلاف الرؤية والعقيدة بين الجيشين.
فالجيش الصيني الجديد ظهر في آخر إطلالته جيش ذو موازنة عالية تضمن حضور العدد العسكرية المتطورة التي تضمن وجود:
صواريخ فائقة الدقة وحاملة طائرات إضافة الى عملية إعادة تنظيم لتحسين التنسيق أرض-جوّ-بحر، بالإضافة إلى تحسين معداته، كذلك لا بدّ من الإضاءة ان الجيش الصيني قدم مؤخرًا صاروخه البالستي الجديد العابر للقارات “دي إف-41” (ذا الرؤوس النووية المتعددة) والمعروف بقدرته على ضرب أي نقطة في الولايات المتحدة.

- الإعلانات -

إنّ كل هذا التطوير سيكون له حضور فاعل في القادم من الأيام لا سيما مع الضغوط القادمة من النزاعات الإقليمية بين الصين وجيرانها خصوصًا الهند (على مستوى حدود الهيمالايا) واليابان (في بحر الصين الشرقي) وللتذكير ففي مطلع مايو، تواجه جنود صينيون وهنود على الحدود وطاردت سفن صينية سفينة صيد يابانية قرب جزر دياويو/سينكاكو الخاضعة لسيطرة طوكيو لكن بكين تطالب بها، أوّلًا وأخيرًا أولى القضايا الاستراتيجية التي تتمثل بالدور الهام للجيش الصيني لمراقبة تايوان التي تعتبرها الجمهورية الشعبية جزءًا لا يتجزأ من أرضها ولا تستبعد في سبيل استعادتها كل الخيارات بما فيها الخيار العسكري إذا اقتضت الحاجة.
أميركا التي تخوض مع كورونا حكاية صعبة ومؤلمة تبدأ من المنحى الاقتصادي عبر الرزم والحوافز والتي فاقت ثلاثة تريليونات دولار، إلّا أنّها ما زالت تغرد وحيدة على رأس الدول من حيث الانفاق العسكري حيث تعتبر الولايات المتحدة أن سياساتها العسكرية مرآة وأداة تنفيذية لكل ما تصبو إليه في العالم حيث الانتشار الأميركي العسكري المتنوع عبر القارات والأحلاف.
لقد صدّق مجلس الشيوخ الأميركي على ميزانية البنتاجون 2020 التي تصل إلى 738 مليار دولار، وتعد هذه الميزانية هي الأضخم في العالم، وذلك بعد أن صوّت 377 نائبًا لصالحها، مقابل 48 نائبًا صوتوا بالرفض، ونص مشروع ميزانية الدفاع على تخصيص 576 مليار دولار للنفقات الأساسية للبنتاغون، فيما سيتم استخدام المبلغ المتبقي لتمويل العمليات العسكرية خارج حدود البلاد
ويعد هذا الرقم الضخم لميزانية الجيش الأميركي استكمال لعادة الولايات المتحدة في ضخ حجم انفاق مهول على الجيش الأميركي، ففي الأعوام الأخيرة بلغت الميزانيات المراكمة ما يفوق ثلاثة تريليونات للخمس أعوام الماضية.

يُجمع الخبراء أنّ حجم الإنفاق العسكري قد لا يعني الكثير في مدى قوة الجيوش وصلابتها، فَوِفق معهد ستوكهولم الدولي للأبحاث حول السلام، نرى أن النفقات العسكرية الأميركية في العام 2019، هي الأولى في العالم (723 مليار دولار) تليها الصين (261 مليار) والهند (71) وروسيا (65) والسعودية (62)، لكن ذلك لا ينتقص من مكانة الجيش الروسي العنيد، فلا يعبر حجم الإنفاق وحده عن قوة الجيش، فروسيا تحتل المركز الثامن من حيث الإنفاق ب 65 مليار دولار وفقًا لتقرير “غلوبال فاير باور” المتخصص في الشؤون العسكرية لعام 2019، لكنه يأتي ثانيًا كأقوى الجيوش في العالم بعد الولايات المتحدة كما أن السعودية تحتل المركز الـ25 عالميًا لنفس التقرير بينما جاء ترتيبها من حيث الإنفاق على الجيش في المركز الثالث.

إن المال وحده لا يكفي، ببساطة إن الجيوش التي ترغب بلوغ المجد لدولها ومخططتها القادمة بحاجة إلى الكثير من السنوات الإضافية والتدريبات من أجل تحسين التماسك وقابلية العمل المشترك والاندماج بين أجهزة الجيش لإنجاز المهام المختلفة.
إن حجم الإنفاق أحد العوامل عند تصنيف الجيوش، لكن تظل هناك عوامل أخرى مثل الكفاءة والتنوع في الأسلحة وتاليا برغم الأرقام والموازنات الهائلة وتريليونات المنفقة على التسلح إلّا أنّ العالم لا يحتمل أي مغامرات كبرى.
إن الناظر في أرقام الموازنات العسكرية لا بدّ أن يسأل هل نحن أمام حروب قادمة؟
ربما الإجابة أننا في حروب التطوير في نوعية الجيوش، فالولايات المتحدة تحضر لجيش في الفضاء وترصد له موازنة ضخمة، أما الحرب التقليدية فلا أعتقد أن العالم جاهز لهكذا هزات قاتلة خاصة مع حديث صندوق النقد الدولي إن خسائر العالم جراء كورونا فاقت 12 تريليون دولار.

- الإعلانات -

شاركنا الرأي

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.