باين من عنوانه

بعد سلسلة من الأحداث الحزينة في حياتي، ما كانش فاضلي حاجة غير شوية قصاقيص مُتناثرة، ذكريات حتى لو كانت جميلة فهي من الماضي... فيها الابتسامة ممزوجة بدموع مالِحة! كنت وَصَلْت لمرحلة "اللا حياة"...

حكاية عم طوبجي “لحن الجُدران”

كتب الفيلسوف
لحن الجدران
كل واحد فينا عنده حلم كان نفسه يحققه… وغالبا ما بين كل فترة وفترة بتتغير الأحلام وتتشكل بالألوان المحيطة بنا! كان نفسى أعمل حاجات كتير في حياتي، كنت باحلم أكون لاعب كرة قدم، أوأكون رسام مشهور، أوعازف موسيقى محترف… بس شيئًا فشيئًا بتلاقي شوية الأحلام الجميلة بتختفي في زحمة الحياة! وتتوه عن هدفك وتنسى حِلمك… تلاقي نفسك واقف في أرض غريبة وتسأل نفسك: أنا باعمل إيه هنا؟!… وتنسحب بفشل جديد أوبنجاح باهت لا يُرضى توقعاتك!

بعد سلسلة من الأحداث الحزينة في حياتي، ما كانش فاضلي حاجة غير شوية قصاقيص مُتناثرة، ذكريات حتى لو كانت جميلة فهي من الماضي… فيها الابتسامة ممزوجة بدموع مالِحة! كنت وَصَلْت لمرحلة “اللا حياة“…

لما الحزن يقتحم منزلك ويصبح نزيل دائم… حزن لفقد أشياء أو أشخاص، لكن في النهاية تجد نفسك قابع في أعماق الثُقب الأسود…

في يوم زي كل يوم… نزلت وأنا مش عارف رايح فين! وقررت أتمشى في الشوارع وأتوه في تفاصيلها… ساعات بتكون رؤية الغرباء، فيها شيء من التفاعل المفقود في الحياة… ترجع تحكي رحلتك القصيرة لجدران البيت الصماء… تحكيلهم عن الشحات وبائع الفاكهة… أهي حاجة تشغل بها نفسك عن الوحدة والذكريات…

آلة الزمان…
وكالعادة عند نهاية كل رحلة، كنت باكافئ كرشي بحاجة ساقعة من الكشك اللي جنب البيت. شوفت هناك “وسيم” زميل الدراسة، اللي إختفي من حياتي بعد حفل التخرج… يمكن دى تكون صدفة الشارع اللي بابحث عنها… قعدت مع “وسيم” على القهوة وحكالي عن حياته… ما بين انفصاله عن زوجته وبين المشاكل اللي بيعاني منها عشان يشوف أولاده مرة في الأسبوع…

وأنا باسمع حكايته، فكرت في حياتي… وقلت في نفسس، الهموم طايلة الناس كلها… وطبعًا زي كل قعدات الفضفضة.. جه دوري في الكلام وحكيتله عن رحلتي في الدنيا! كنا عاملين زي إتنين مرضى نايمين في غرفة مشتركة في مستشفى… كل واحد فيهم بيشكي همُه للتاني!

ألم الغُرَباء ساعات يكون فيه “دوا”.. وحكاية الألم فيها “موعِظة”

خَلَصنا القعدة على وعد إننا نتقابل تاني… طلب منى أشوفله زبون يشتري سيارته… كان بقاله فترة بيحاول يبيع ومش لاقي مشتري!

بعد ما إتفرجت على السيارة، عجبتني وقررت أشتريها لنفسي… إتقابلنا تاني يوم عند “الكشك اللي تحت البيت”.. اللي أنا إعتبرته “آلة الزمن”.. وخلصنا كل الإجراءات… أخدت السيارة وكانت الشنطة فيها شوية كراكيب! لقيت فيها كامنجا قديمة ومِكَسَرة…

كلمت “وسيم” وقالي إن الكامنجا دي كانت بتاعة خاله، وحاول يصلحها لكن الوقت والمشاكل سرقته، وفي الآخر نسيها في الشنطة! وقالي “إعمل فيها اللي إنت عايزه، إرميها… أو إدهنها وحطها ديكور في البيت عندك”

كان ليا واحد قريبي بيحب المزيكا، قلت ممكن أصلحها وأديهاله… بدأت رحلة البحث عن شخص يصلح الكامنجا… ماكنتش أعرف أي حد في المجال عشان ينجز المُهمة…

وفي يوم كنت قاعد مع صديق ولقيته في نص الكلام بيقولي إنه نِفسه يتعلم مزيكا! حكيتله عن موضوع الكمانجا القديمة… قالي “دي علامة جايالك من السما.. عايز إيه تاني؟”

زمان كنت باحلم إني أكون عازف مشهور… كنت باتخيل نفسي على المسرح والناس كلها واقفة على رجليها وبتصقفلي! كنت باشوف نفسي في أي بطل من أبطال الأفلام، وباتوحد مع قصته…

لكن مع مرور الوقت حسيت إن الحلم ما بقاش حلمي! متأخر أوي إني أفكر في تعلُم الموسيقى، وخاصة آلة الكامنجا، صعبة ومحتاجة تمرين كتير…

ورغم كل ده… صديقي شجعني وإتفقنا نحجز سوا… ودي كانت بداية الحلم!

أول حِصة في الكامنجا.. دخلْت ولقيت اللي هايعلمني في العشرينات من عُمره.. إستغرَب لما شافنب وضحِك لما شاف معايا الكامنجا… بص عليها وقالي إنها ما تنفعش…

إشتريت واحدة جديدة وبدأت أتعلم عليها! كانت الألحان كلها بتتعزف في دماغي، جسمي بيتحرك مع الموسيقى، لكن صوابعي مش قادرة تترجم اللي جوايا…

قلت أعمل محاولة أخيرة لإصلاح الكامنجا القديمة! لما سألت قالولي عن شخص شاطر في تصليح وتصنيع الكامنجات، في شارع محمد علي!

عم طوبجي…
“مزيكاتي” مغمور وعايش في بيت قديم في “حواري الحواري”.. وصلت لبيته بالعافية بعد ما سألت عليه وتوهت في الوشوش اللي هناك… دايمًا لما تسأل عن شخص، بتاخد أول إنطباع عنه من الناس اللي بتدِلك عليه! “أااه.. عم فلان.. ده ساكن في الشارع اللي ورا.. هو إنت عايزه في إيه؟!”

مش هانسى الإحساس اللي جالي يوميها… حسيت إني باسأل عن شخص مفقود من زمان!

عمارة متهالكة ودرجات السلم ضيقة ومتكسرة! طلعت في عتمة العمارة، ونور الموبايل اللي كان في إيدي.. ريحة الكمكمة والقمامة اللي بقالها كام يوم ما إتشالتش… ريحة قطط عايشة في بير السلم!

عم “طوبجي” فتحلي الباب…

كان عايش لوحده في البيت… لابس جلابية مقطعة، ومش حالق دقنه… شعره ملخبط، وحافي مش لابس حتى شبشب في رجليه…

لأول وهلة إعتقدت إنى جيت عنوان غلط… وكنت عايز أمشي من المكان! أخد مني الكامنجا وقعد يفحصها… يقلِبها يمين وشمال ويبص جواها، ويخبط عليها بشويش ويسمع صوت الخشب وهوبِيْرن…

قالي إنها كمانجا مصنوعة في التشيك، وخامة الخشب جيدة… لكن حالتها العامة “سيئة”.. حكيتله حكايتها، قالي إنها هاتخد منه وقت ومجهود… وافقت على طلباته

طلب مني أقعد معاه ويسمعني حتة مزيكا على كامنجا تانية… أول لما بدأ يعزف حسيت نفسي في دنيا تانية… إيديه تتلف في حرير…

الظُلم لحن حزين…
أخوه كان عازف مشهور ومعاه فلوس كتير… عم طوبجي كان بيألف مزيكا، وأخوه سرق منه الألحان وخطف الأضواء والشهرة… الدنيا ظلمته… لكنه إختار يفضل في بيته ويصلح شوية الخشب اللي بيجيله، بدل ما يعادي أخوه ويخسر نفسه… وكل حين ومين يعزف للناس اللي ما يعرفهمش… يشوف في عينيهم نظرات الإعجاب والشفقة…

لقيت في عم طوبجي حاجات كتير مشتركة معايا… لكنه كان أشطر مني… كان لساه واقف على رجليه وبيحاول يعيش… كان بيصلح القديم ويعمل منه حاجة جديدة وجميلة… لكن أنا كنت عايش مع الحطام وبابكي عليها…

مش عارف ليه قلبي إنفتحله وحكيتله على قصتي مع الجدران الصماء… سكت وبص على حيطان بيته وقالي “مش إنت لوحدك اللي بتشكي من الحيطان”

بعد ما إستلمت الكامنجا وبدأت أعزف عليها، حسيت إني لازم أحقق حلمي القديم… لازم أكون عازف ماهر، لا بديل عن النجاح وما فيش حاجة هاتكسرني… كنت باتمرن كتير، ونسيت الوِحدة والبيت اللي مافيهوش غير أشباح الذاكرة…

بيت العيلة بقى فيه موسيقا!
وكأن الجدران بترقص بعد غياب طويل للبهجة والفرح… حتى لما كنت باقابل الجيران، كانت وشوشهم مختلفة، وكأني كنت غايب سنين طويلة ورجعت من السفر… سامعين الموسيقا في أرجاء البيت وعارفين إني بدأت أعيش من تاني!

بعد سنتين تمرين، بدأ عزفي يتطور! حتى الشخص اللي بيعلمني، بعد ما كان بيؤدي وظيفة عشان ياخد فلوس وبس، بقى بيشجعني وشايف فيا مشروع كمنجاتي…

أصبحت الكامنجا هي صديقتي وخليلة الوحدة… كنت بابص لجدران البيت وبافتكر أيام الصمت…

المعهد اللي كنت باتعلم فيه، كان أكبر واحد من العازفين فيه عنده 15 سنة… والمعلم في أول العشرينات! كنت بالنسبة لهم شخص كبير في السن… بس كانوا بيحبوني ومرحبين بوجودي وسطهم…

تكررت زياراتي لعم طوبجي، كنت باروح أقعد وأحكى معاه وأسمع منه شوية مزيكا من اللي هما! كان بيطلب منى أعزف عشان يشوف أنا وصلت لإيه…

بصراحة كده وعلى بلاطة.. قالي إنه مش عاجبه عزفي!

دايمًا يقولي إني محتاج أفك أعصابي وأعزف بحواسي وشعوري…

الحفلة…
وفي يوم أبلغوني في المعهد إن فيه حفلة كبيرة ولازم كل المتدربين يعزفوا فيها… كنت من الأشخاص الخجولة اللي ممكن تتخض من الناس والزحمة… فكرت أعتذر وبالفعل بلغتهم إنى مش هاقدر أحضر الحفل بحجة الشغل… لكنهم لسبب ما قاموا بتأجيل موعد الحفل، ومابقاش ليا حجة!

إضطريت أوافق وكنت متوتر جدًا… قعدت أفكر إني أعتذر في آخر لحظة… لكن فيه حاجة جوايا كانت بتقولي إني لازم أروح الحفلة… ماكنتش مستحمل فشل تاني… مش باتكلم عن فشل في العزف، لكن فشل في الظهور قدام الناس… كان لازم أكسر حاجز الخوف اللي معشش جوايا!

روحت زيارة لعم طوبجي وحكيتله عن موضوع الحفلة وشعور الخوف اللي جوايا… قالي “زي ما جيتلي وكسرت حاجز الجدران اللي كانت خانقاني، إكسر الخوف اللي جواك وإتحدى نفسك… ما تعملش زي وتستسلم للحيطان… بس إعزف بإحساسك وإنسى الناس اللي حواليك”…

جدران الخوف…
شوفت الناس وهم داخلين القاعة، وشعور الخوف بدأ يزيد… دخلت من الباب الخلفي دوغري على الكواليس… كان كل العازفين بيتمرنوا، كله بيحاول يمَشي إيده عشان يتجنب أي غلطة على المسرح…

طلعت الكامنجا من الشنطة وقعدت أعزف زيهم… لكن ماكنتش مركز في العزف بقدر ما كنت بافكر في لحظة الخروج على المسرح! سرحت بأفكاري لغاية لما سمعت إسمي في الميكروفون… خرجت على المسرح وجالي إحساس مُرعب أول ما شوفت المسرح مليان… كله بيسقف للعازف اللي كان قبلي، وبيسقفولي وأنا داخل! فاكريني باعرف أعزف!

الشخص اللي كان بيعلمني هو اللي كان هايلعب على آلة العود المصاحبة للكامنجا… كان فاهم وشايف إني خايف، ورغم فرق السن بيننا لكن نظرته ليا هي اللي طمنتني…

بدأت أعزف وفي دماغي صورة الجدران الصماء اللي عشت ما بينها سنين…كان لازم الجدران تتكلم وتغني وترقص… خلاص زهقت من الصمت والوحدة… الموسيقى دبت في جسدي… لأ مش الموسيقى، دي الحياة نفسها… أنا عايش من تاني، نبضات قلبى بتتراقص مع العزف… سمعت الحضور بيسقفوا، وفهمت إن فقرتي خلصت… كنت في عالم تاني، مش عارف عزفي كان جيد ولا سيء… بس لقيت الناس مبسوطة، وفيهم اللي وقف على رجليه عشان يُظهر إعجابه بعزفي…. ماكنتش عازف ماهر ولا حاجة، لكن يمكن الإحساس هو اللي لمس قلوب الناس!

ألف ليلة وليلة…
بعدها بفترة روحت لعم طوبجي أزوره.. حكيتله إني عزفت على المسرح وكان فيه جمهور كبير… إبتسم وطبطب على كتفي… كان أول يوم يطلب مني فيه إننا نلعب مزيكا سوا… لعبنا أغنية لأم كلثوم… “ألف ليلة وليلة“… الفرق بيني وبينه كان كبير أوي… لكنه كان طول الوقت مبتسم… وقالي “الحياة فيها ألف ليلة وليلة… بس إنت اللي بتخلي كل ليلة منهم لها معنى وفيها إحساس… الكمنجا بتاعتك دي أنقذتك… مش عشان تحقق حلمك وتكون عازف مشهور! لكن عشان هي اللي رجعتلك النبض في قلبك… رجعتك للحياة من تاني! ممكن تلاقي نفسك بطلت تعزف كمان كام سنة… لكن ما تخليش قلبك يبطل يدق وينبض بالحياة…

إستطرد عم طوبجي في الكلام:” لما حكيتلي على صديقك اللي قابلته بالصدفة وإشتريت منه العربية اللي كان فيها الكامنجا… هو ده السبب الوحيد اللي خلاني أصلحهالك! لأني عرفت إن ربنا كان باعتلك طوق نجاة… ومجيِتك ليا هنا بالكامنجا، هي طوق النجاة بتاعي… إنت ما تعرفش أنا كنت في إيه! قبل ما تخبط على بابي، كان اليأس إتملك مني… ولما شوفتك ولقيتك بتبص على شكلي وعايز تمشي، كنت هاطردك… لكن فيه حاجة منعتني وقررت أساعدك… لكن إنت اللي ساعدتني… زيارتك ليا نستني كل الهموم اللي في حياتي! شوفت بقى الكامنجا القديمة عملت إيه؟ أنقذت حياة شخصين…”

ماكنتش فاهم أهمية زيارتي لعم طوبجي… ما كنتش عارف أد إيه الموضوع فارق معاه… لكن بعد ما سمعت منه الكلمتين دول، رجعت البيت ومعايا الكمانجا… بصيت على جدران البيت… ولأول مرة أحس إنها مش جدران صماء.. مش المزيكا هي اللي بتخليها تتكلم… لكن فيه حاجة تانية أعمق من كده… فكرة عم طوبجي اللي قاعد في بيته فرحان… فكرة إنى كسرت حاجز الخوف جوايا.. إنى طلعت من الجدران اللي حابساني…

كان فيه لحن غريب بيتعزف في دماغي.. لحن ما إتعزفش قبل كده… مسكت ورقة وقلم وكتبت نوتة موسيقية جديدة… عزفتها كتير وعدِلت فيها لغاية لما لقيتها بتعزف نفس اللحن اللي كان جوايا… روحت لعم طوبجي وسمعته اللحن… عينيه كانت بتبرق وقالي “لحن الجدران

شاركنا الرأي

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.